فخر الدين الرازي
228
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والإبداع ، لكان المعنى : أن كل ما في الأرض فهو تعالى قد أوجده في الزمان الماضي ، وذلك باطل بالاتفاق ، فإذن وجب حمل الخلق على التقدير حتى يصح الكلام وهو أنه تعالى قدر في الماضي كل ما وجد الآن في الأرض ، وأما الشعر فقوله : ولأنت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري وقوله : ولا يعطي بأيدي الخالقين ولا * أيدي الخوالق إلا جيد الأدم وأما الاستشهاد : فهو أنه يقال : خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس والخلاق المقدار من الخير ، وفلان خليق بكذا ، أي له هذا المقدار من الاستحقاق ، والصخرة الخلقاء الملساء ، لأن الملاسة استواء ، وفي الخشونة اختلاف ، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والتسوية . إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في لفظ الْخالِقُ قال أبو عبد اللّه البصري : إنه لا يجوز إطلاقه على اللّه في الحقيقة ، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الظن والحسبان وذلك على اللّه محال ، وقال أصحابنا : الخالق ، ليس إلا اللّه ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ * [ الرعد : 16 ] ومنهم من احتج بقوله هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ [ فاطر : 3 ] وهذا ضعيف ، لأنه تعالى قال : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ [ فاطر : 3 ] فالمعنى هل من خالق غير اللّه موصوف بوصف كونه رازقاً من السماء ولا يلزم من صدق قولنا الخالق الذي يكون هذا شأنه ، ليس إلا اللّه ، صدق قولنا أنه لا خالق إلا اللّه . وأجابوا عن كلام أبي عبد اللّه بأن التقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن لكن الظن وإن كان محالًا في حق اللّه تعالى فالعلم ثابت . إذا عرفت هذا فنقول : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ معناه : أصور وأقدر وقوله كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فالهيئة الصورة المهيئة من قولهم هيأت الشيء إذا قدرته وقوله فَأَنْفُخُ فِيهِ أي في ذلك الطين المصور وقوله فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع فيكون طائراً بالألف على الواحد ، والباقون طَيْراً على الجمع ، وكذلك في المائدة والطير اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع . يروى أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة ، وأظهر المعجزات أخذوا يتعنتون عليه وطالبوه بخلق خفاش ، فأخذ طيناً وصوره ، ثم نفخ فيه ، فإذا هو يطير بين السماء والأرض ، قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه ، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ، ثم اختلف الناس فقال قوم : إنه لم يخلق غير الخفاش ، وكانت قراءة نافع عليه . وقال آخرون : إنه خلق أنواعاً من الطير وكانت قراءة الباقين عليه . المسألة الثانية : قال بعض المتكلمين : الآية تدل على أن الروح جسم رقيق كالريح ، ولذلك وصفها بالفتح ، ثم هاهنا بحث ، وهو أنه هل يجوز أن يقال : إنه تعالى أودع في نفس عيسى عليه السلام خاصية ، بحيث متى نفخ في شيء كان نفخه فيه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً ، أو يقال : ليس الأمر كذلك بل اللّه تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخة عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات ، وهذا الثاني هو الحق لقوله